لقد وضعت عيناي على ذاك البيت منذ خمس أيام مضت .. لقد
قيل لي أن هناك شخصًا يسكنه .. لكن لا أحد رأى وجهه أو عرف هويته .. أو يمكنني
القول أنه مجرد بيت مهجور .. ضيعت عليه أربع ليال مستيقظًا أشرب القهوة كي أبعد
النوم من فوق سطح المدرسة المجاورة له....
كل ليلة .... منتظرًا طهور صاحبه المجهول.
أتذكر أول مرة لاحظته .. لقد كنت غائصًا في أفكاري ..
هاربًا من واقع أعيشه .. عن ذاك الباب الذي فتحته و يا ليتني لم أفعل... الحياة
التي أعيشها و التي تجعلني أهرب منها إليها.
حقيقة إنكارها لن يكفي كي يجعلكَ تنسى وجودها.
و فجأة .. اختفى كل شيء من أمامي .. تحول كل ما أراه إلى
اللون الأبيض ... مهلاً ؟
ألم أكن لتوي غارقًا في ظلمات اللون الأسود فمن أي ظهر
كل هذا ؟
و مع التفاتاتي المستمرة لاحظته. ذاك البيت الفخم و
الجميل .. البيت الذي تحميه مجموعة من النباتات المتدلية على أطراف سوره كحرس أمين
و صائن.
تحميه من أعين لص سارق و مؤذٍ ... من عيناي.
رغم كل تلك المشاعر الجميلة آنذاك ... رغم انطباعي
الجميل .. لكن شيء ما يسري في الدماء ..
أمر كغريزة قد نقشت على واجهة قلبي و عقلي ..
" يبدو فخمًا .. فلنحاول سرقته " و مع
هاته الجملة انتهت جولتي لذاك اليوم.
رغم كل هذا ... لا شخص يظهر من هذا البيت .. و مع مضي
أيام أخرى ... لقد قضيت أسبوعًا أراقبه .. لكني لاحظت شيئًا. شخص كعامل التوصيلات
يأتي هنا ... الآن أنا متشكر لأني لم أتسرع و دخلته .. ربما هناك فعلًا شخص مجهول
البنية داخله ..
و رغم صبري لمدة طويلة أخرى ... وجدت نفسي هنا.
أنا ... قمت لتوي باتخاذ خطوة خاطئة ... أول خطوة خاطئة
بحياتي كلها. رغم أني لم أنم جيدًا طوال الفترة الماضية .. رغم نعاسي الشديد ..
لكني دخلته ..
لم يعد الأمر حول سرقته من عدمه .. بل صار فضولًا حول من
يعيش هنا ؟
و الأسوأ أني تناولت الكثير من الأدوية بسبب التعب ...
لا بد و أن أحدها تسبب النعاس .. و لهذا رأسي يدور ...
أبدو في غرفة قديمة ... فلما لا أغفو لدقائق ... و سيكون
كل شيء بخير ... لا أظن صاحب البيت ... شخصًا قويًا ... لدرجة أنه لا يخرج حتى ......؟
و مع الأفكار التي تبعثرت أمامي كالأوراق استسلمت لرغبتي
بالنوم.
النوم في مكان بارد .. و الذهاب لعالم .. حيث لن ترى فيه
أحلامًا .. أو حتى الكوابيس ..
بل كل ما سيلاحقك ... هو مجرد واقعك.
استيقظت على ضجة كبيرة ... و فجأة فتح الباب و دخلَت ...
" استيقظتَ أخيرًا ؟ لقد بدوت غير مرتاح ... و خصوصًا أن تختار النوم في مكان
كهذا ... صادق " قالت العجوز مع بضع ضحكات مخفية..
ربط لساني حينها .. بل حرت ... هل تم اكتشافي أم لا ؟ هل
هي تعرفني ؟ معاملتها لي ... كل شيء صار غريبًا .. فقط لأني استسلمت للنوم في مكان
لا يجب علي التواجد فيه.
اقتربت مني و هي تحمل تلك الصينية ثم وضعتها ... كأس
قهوة و كتاب. ما المعنى من هذا ؟
أم هل هذه حلوى جديدة تصور على شكل كتاب .... تبدو
واقعية ..... و حقيقية .....
ـ" كتاب ؟؟ " صرخت دون وعي مني ... ما المعنى
من كتاب فوق صينية فطور الصباح ؟
ـ" ما بكَ صادق ؟ لقد كنتَ تهوى الكتب " و
بابتسامة أمسكت يدي و أخرجتني من المنزل.
للآن ... أنا لم أستوعب ما حدث معي .. و ما قصة تلك
العجوز. و مع الترددات الكثيرة .. وجدت نفسي مجددًا أمام بيتها .. و تسلقت كالمرة
السابقة كي أدخل نفس الغرفة....
باب الغرفة مغلق و لهذا لم أستطع دخول المنزل تمامًا ..
أو حتى دخول الغرف الأخرى فكل نوافذها مغلقة.
و انتهى الأمر بي أنتظر تلك العجوز في تلك الغرفة.و بعد
ساعة كاملة من الانتظار دخلت مجددًا مع كأس القهوة و الكتاب ....
لم أتفوه بشيء و لا هي .. لقد بقينا للحظات نحدق في
بعضنا البعض .. و كأننا نتكلم عبر لاسلكي مجهول الشكل أو المكان... لاحظت أنها
تحمل كتابًا آخر غير الذي أمامي في يدها .. بل المرة السابقة كذلك...
و مع انتظاري الطويل .. و شيء ما من الاقتناع بأنها لن
تتكلم و رغبات بالذهاب... قالت :" أنتَ لستَ صادق ،صح ؟"
ـ" لستُ كذلك .. أنا لستُ صادقًا حتى " جاوبت
سؤالها...
ـ" لقد عرفت ذلك المرة السابقة .. لكن أنتَ تشبهه
.. لقد ظننته عاد .. كي يكمل لي القصة .. شكلكَ .. و دخولك للمنزل تمامًا مثله
" قالت بابتسامة ملفقة على وجهها و الحزن يمشي خلف كلماتها.
ـ" من .. هو صادق ؟" و ها قد حان وقت الإجابة
عن فضولي ..
مع ترددها الواضح لتجيب .. أدارت وجهها .. لقد كانت
للحظة في أعماقها تريد أن تطردني .. لكنها فجأة استدارت و جلست أمامي كي تسرد قصة
.. ربما لم يعرفها أحد .. " إنه شخص عزيز جدًا على قلبي .. شخص لا تكفي كلمة
واحدة للتعبير عنه .. لقد اعتاد دومًا أن يدخل البيت من النافذة و يقرأ لي الكتب
..."
للآن هويته غير واضحة لي ... أكان سارقًا حتى يدخل من
النافذة ؟ هه .. أكان مثلي ...
ـ" لقد كان مثلك .. لم تكفِ تعابير وجهك لتتلائم مع
صورتي عنه .. لكن حتى العمل. "
ـ" أنا لا أفهم شيئًا مما تتفوهين به... احم ،أقصد إن
لم تشرح لي يا سيدتي فسأبقى هكذا .."
ـ" لقد كنت عمياء .. و كان هو سارقًا يدخل هذا
البيت من نافذته .. مضت الأيام و أنا أعرف أنه يأتي دومًا ليسرق من غرفتي الكتب ..
لقد كنتُ دومًا أتحصل على كتب كهدايا .. لكني لا أستطيع قراءتهم و شيء ما يقول
أنهم يفعلون هذا للسخرية بي .. بدون أصدقاء أو أشخاص لتكلمهم .. " توقفت فجأة
عن السرد.
ما الذي حدث ؟ ..... بعد ذلك ..؟ " تعال غدًا و
سأكمل القصة .. " قالت و أسرعت تخرج من الباب و تغلقه و ما كان علي سوى
العودة أدراجي .. من النافذة.
و مضت ليلة أخرى .. و بصباح اليوم القادم عدت.
دخلت الغرفة و بقيت أنتظر .. و دخلت هي بعد قدومي ... وضعت
الصينية و كوب القهوة و الكتاب فوقها.
ثم بابتسامة مشعة قالت لي :" صباح الخير أيها الشاب
... لم تخبرني باسمك ؟"
لما تبحث الآن عن اسمي ؟ أتريد أن تكتب لي قصة كالسيد
صادق الذي أتى قبلي ؟
ـ بسخرية قلت لها :" ناديني السيد لص أحسن من أن
تناديني باسمي "
ـ" ألم تمل من كلمة لص و سارق ؟ ألن تفضل أن يناديك
على الأقل شخص واحد باسمك ؟ أنا أعلم أنكَ لم تختر هذا لأنك تريده "
ـ" ما ... الذي تقولينه ؟"
ـ" كنت محقة ؟ أنتَ تشبهه فلا غرابة في أن أكون
محقة ... لقد تعاملت مع ألطف صنف من السارقين حتى الآن .. رغم أنهم يقصدون بيتي
بنية سيئة لكني لم ألقى للآن شخصًا منهم بقلب سيء "
هذه العجوز غريبة أكثر مما يمكنني أن أتوقع ... بل
التوقع لن يكون شيئًا أتكلم عنه الان .. فأنا لن أستطيع الترصد و التخمين لما
يمكنها أن تفعل أو تقول أكثر من هذا ... أفعالها مستبعدة عن حدود تفكيري.
ـ" لقد كنت دومًا ما آتي هنا حاملة تلك الكتب
لأرميها... هذه الغرفة كانت مخزن الكتب السيء عندي .. و ربما لا زالت تخبئ لي
الكثير من الذكريات الجميلة كذلك... و بليلة حزينة أمضيتها لوحدي هنا .. انتبهت
على صوت خطوات شخص ما ليدخل الغرفة و يقلب الكتب و يخرج .. "
و تنهدت لتلتفت يمينًا .. اتبعتها فأبصرت كومة من الكتب
.. بل .. لقد كانت كومة أكبر مما يمكن لمكتبة أن تحمله ..أو حتى هذه الغرفة ..
ـ" و كما هذه الكتب المتكدسة أمامك .. هناك مشاعر
متكدسة في قلبي أيضًا .."
ـ" أنتِ حقًا شاعرية بالنسبة لامرأة مسنة "
قلت دون إدراك مجددًا .. فأجابتني بضحكاتها المتواصلة ..
ـ" ماذا تفعل عندما تصحبك الكتب طول حياتك ؟ لا بد
أن تنغمس في عالمها أو ستشعر أنكَ مقصر تجاه كل ما قدمته لك "
و مع كوب قهوة هذا اليوم انتهت القصة .. هي لم تحكِ لي
الكثير بل فقط أرتني كتبها.
و فضولي اتجاه هذه المرأة العجوز جعلني أنسى نفسي .. و
أخرجني من ذاك الواقع. علي العودة للعمل بعد كل شيء .. مع أنها كانت استراحة جميلة
من تلك الحقيقة المتعبة و المضنية ... الحقيقة التي اجهدتني و انهكتني ..
لكن يا ليتني أستطيع العيش في الخيال لمدة أطول.
رغم أني وجدت الكثير من المنازل الحلوة و اللذيذة التي لا بد و أنها تحمل
كنوزًا بداخلها ... لكن القصة تعود لتحملني لهذا البيت مع كل ذاك اللبلاب الذي
يحيط به.

لقد قرأتها في المنتدى و سبق أن ابديت رأيي :p
ردحذفذكريات حزينة :)
شكرًا عزيزتي..
حذفالحقيقة أني لم أضعها كاملة في المنتدى و لكني سأضع النصف الآخر هنا
الذي لم أنشره من قبل~
ترقّبي...
في الحقيقة أنا لم أتم قراءتها لكنها تبدو قصة جيدة ساقوم بمتابعتك ... أرجو ان تقومي بالمزيد من هذه الاعمال الجيدة
ردحذفشكرًا لكِ على ردّك اللّطيف ~
حذفأنتظر بفارغ الصبر تعليقك عليها عندما تتمّين قراءتها
سأقوم بوضع الجزء الآخر فأرجو أن تترقبي~
+
أجل أنا أتمنى كذلك أن أضع المزيد من الأعمال الشيّقة و الجميلة هنا :)
شكرًا~