لقد مضى أسبوع لم آت فيه الى هنا .. لكن عندما صعدت لتلك
الغرفة... لقد وجدت صواني تحمل كل واحدة منها كوب قهوة فارغ و كتابًا ما. لم أفهم
ما معنى هذا .. و قبل أن تكون لي فرصة للتفكير حتى ..
دخلت و هي تبتسم و تحمل صينية أخرى بين يديها صحتُ :"
أين تريدين وضع كل هذا ؟ صدقًا تملكين الكثير من الأواني ..."
ـ" بينما كنت أنتظرك .. لقد كنت أنساهم هنا بعد أن
أشرب القهوة فعلا... إن كنتَ تريد ..
بإمكانك مساعدتي لتنظيفهم بالأسفل بما أنكَ متفرغ لتستطيع زيارتي "
تنسينهم ؟ إنه واضح أنكِ فعلت هذا عمدًا ... صدقًا هذه
العجوز . حملتُ كل تلك الصواني واحدة فوق الأخرى و نزلت معها الدرج بحذر.
و مع كل خطوة أقوم بها ... الاحظ كم أن هذا البيت أجمل
من الداخل .. ربما كل البيوت كذلك ..؟ بل هذا البيت مميز نوعًا ما.
مع توزيعها للابتسامات دون توقف ،و بانزعاج كنت أنا أغسل
الأواني أمامها .. حدقت ناحيتها قليلًا عسا أن تبدا برواية القصة لكنها لم تأبه
لكل التلميحات ...
ـ" لقد كان صادق يحب القهوة أكثر من أي شيء. بتلك
الليلة عندما اكتشفت أنه دومًا يأتي للغرفة كي يسرق و يقرأ الكتب. لقد شعرت بسعادة
.. قائلة شيئًا ك آه .. و أخيرًا هذه الكتب لها منفعة ما ... بل و أخيرًا استطعت
إفادة أحدِ ما .. و كنت كل يوم أختبئ خلف الخزانة الكبيرة كي أسمع تلعثماته و
قراءته لكل تلك الروايات .. لقد كان يتعلم حينها كيف يقرأ .. لكنني بفضله استطعت
معرفة ما تحمله هذه الكتب من قصص و معاني ..."
مع إنصاتي لقصتها .. و كل مرة أزيد إيقانًا أن هذا الرجل
.. فعلًا يحمل معنى أكبر من مجرد كلمة بالنسبة لهذه العجوز .. لدرجة أن تتذكر كل
هذه الأحداث بأدق تفاصيلها .. لو كانت لتراه .. لربما كانت لتتذكر أكثر .
لكنها الآن تستطيع الرؤية بوضوح ؟ ربما سابقًا استطاعت
رؤيته كذلك ؟
قاطع تفكيري مواصلتها للقصة .. و ما عدت أستطيع منع نفسي
من الاستماع كي أهتم بشيء كأفكاري و فضولي عن رؤيتها له... فهذا سيلحق الأحداث على
كل حال.
ـ" لقد كان صادق مكتشفًا لاختبائي الدائم .. على كل
حال كنت عمياء و ما أستطيع الانتباه على تفاصيل كإخفاء فستاني جيدًا .. هي هي هي
.. هذا كان سبب كشفي من البداية. و مع إفشائه لسري هذا .. عقدنا اتفاقًا .. أن
أسمح له بقراءة الكتب و بيعها شرط أن يقوم بقراءتها لي كذلك .. و مع مضي الأيام اعتدت
دومًا إحضار كوب من القهوة و الكتاب الذي كنا نقرأه .... لكن انتهى كل شيء عندما غيرت
زوجة أبي ديكور المنزل و رمت الكتب كلها بغرفتي الواسعة الجديدة .. و تلك الغرفة
السابقة عادت مكاناً فارغًا لا يحمل شيئًا................
انتهت القصة هنا
.. شكرًا لمساعدتي سيد لص "....
و كأول مرة عندما كُشفت أنا .. تم إلقائي خارجًا.
السيد صادق ... لقد صار هذا الشخص يلمس شيئًا ما من ذاتي
.. رغم أني لم ألقه .. و لا أعرفه... رغم تأكدي بأنه شخص بعيد عني كل البعد و
يستحيل لي لقاءه و أنا لا أدري ملامح وجهه حتى... لكن طريقة تكلمها عنه .. سردها و
حكايتها كل هذا .. يجعله شخصًا عظيمًا حقًا.
و مضت هذه الليلة بينما أنا أقضيها مراقبًا النجوم من
فوق سطح المدرسة. لم أتوقع يومًا أن دخول مدرسة سهل جدًا لهذه الدرجة.
و بغتة .. نسيت أني قبل لقاء هذه العجوز . كنتُ مجرد
سارق ... لص يجول الأسقف و يختلس النظر على ممتلكات الغير .. ينهب و يسطو على كل
ما ينال إعجابه كي يذهب و يبيعه في مكان ما بعيد.
لو أني دخلت ذاك البيت و لقيت كل هذه الكتب ... لكنتُ
حملتها و بعتها .. قائلًا أمرًا غبيًا كَ لنستفد منها .. ناسيًا أن كل ما انتزعته
حتى الآن من بيوت الناس .. كان ليحمل و لو معنى صغيرًا في حياتهم .. أو يكون رمزًا
لذكرى لن يريدوا نسيانها ..
إني للتو قد اكتشفت ... أني قد سلبت منهم ذكريات ... و
بعتها بأبعد مكان لن يصلوا إليه. و هذه الذكريات التي بعتها ... هي بعدد نجوم
السماء التي أراقبها الآن.
لقد قررت ... سأعود لبيتي ...
مع هذه العبارة تتردد في ذهني رحتُ لعند العجوز كي
أودعها و انتهى الأمر بي استمع لها .. بل حقيقة .. أنا أريد سماع ما ستحكيه .. رغم
أني أعرف أن هذا آخر جزء ... سأسمعه.
و هذا آخر حديث سيكون كلانا حاضرين له. أنا يومًا لم أكن
طرفًا فعالا في حديثي معها .. لكن يكفيني أني كنت منصتًا جيدًا لها و لحكايتها....
عسا ألا يتركني هذا الجزء أتخبط مجددًا في معاناة الفضول...
بابتسامة استقبلتني من تلك النافذة ... لقد استطعت
التعود على فعل هذا .. لكن رغم كل شيء :" لما لا تفتحين لي الباب ؟ انتِ
دومًا تغلقينه ... " و مع تنهداتي المتواصلة كانت هي تضحك خفية..
ـ" أنتَ في ريعان شبابك و لص محترف و لم تستطع تحمل
تسلق هذه المسافة ؟" و استمرت تسخر بي و تهزأ .
فتحت الباب فوجدتها قد حضرت بعض الشاي .... لاحظت كيف
أني مستغرب من هذا فقالت أن عامل التوصيلات لم يحضر الكثير من القهوة بالمرة
الماضية.
إذن فهي لا تخرج من بيتها حقًا بل تقوم بطلب كل شيء ؟
توقعت هذا عندما رأيته أول مرة حينما كنت أراقب البيت بنية سرقته .. صدقًا من كان
ليتوقع هذا ؟
ـ" لقد صرت تسبح في أفكارك كثيرًا مؤخرًا صح ؟ هل
من مشكلة ؟"
ـ" لا .. لما تعتقدين هذا سيدتي ؟"
ـ" ربما فقط .. لأنكَ بدأت تمل من حياتك .. مضت علي
هذه الفترة سابقًا " و راحت تفتح الباب و تنزلني للأسفل... كي تفتح لي باباً
آخر .. دلني على حديقة بديعة و باهرة...
جعلتني من كثرة روعتها أنسى نفسي حقًا .. و أدخلتني هذه
المرة بعالم وردي اللون أشار للورود فقط بأن تقترب.
ـ" لقد كان يبدو مستمتعًا كلما لحقنا لمشهد ما
يتعلق بالورود و النباتات .. سألته مرارًا و تكرارًا إن كان يحبهم لكنه ما كان
يجيب... و انقطع قدومه بعد تغيير الديكور .. كنت أضع دومًا صينية تحمل قهوة و كتاب
هناك .. دون أن يكشفني شخص .. لأنه كان يقول أن القهوة لذيذة و منعشة..."
تنهدت و استمر الصمت لفترة ... و بدا كما لو أنها تتوقع
مني تعليقًا ما بنظراتها تلك التي رمقتني بها...
ـ" لقد كان حقًا مثلك .. قليل الكلام... شغفه
الوحيد يجده في كتب لم يكن يعرف قراءتها سابقًا... أياً تكن مدة انتظاري فهو لم
يعد .. و ذاك الكتاب الذي انتظرت بجانبه .. صار باليًا .. القصة .. رغم استعادة
بصري .. لكني لم أكمل القصة." قالت و الحزن باد على وجهها كوضوح الشمس في
النهار.
ـ" يا للهول ... ما ... الذي كنتُ أفعله ؟"
قلتُ فجأة فأفزعتها بهذا الرد الذي كانت سابقًا تنتظره...
ـ" يبدو أنكَ تذكرت شيئًا ما صح ؟ أسرع .. إليه قبل
أن يفوت الوقت كما فات قطاري يا سيد لص " أجابتني و ضحكاتها التي صارت لطيفة
بنظري فجأة .. قد لفت المكان.
ـ" قد يكون هذا آخر لقاء بيننا ... أنا لن أعود ...
لذا ... أكملي القصة الآن أو سأندم حقًا على عدم العودة "
ـ" إن كان عدم إكمالها سيجعلك ترجع فافعل .. على كل
هذه الحكاية لم تكن شيئًا أفخر به .. انظر لحالي .. عجوز هرمة متشبثة بهذا البيت
القديم الذي يجعلني أتذكر ذكريات دامت أشهر قصيرة .. تنتظر عودة شخص تعلم أنه لن
يفعل .... شخص اختفى بعيدًا حتى "
ـ" حكايتك جعلتني أدرك معاني الكثير من الأمور .. و
الذكريات شيء لا يجب عليك الاستهانة به سيدة خديجة "
ـ" صدقًا لم أكن أتوقع منكَ أن تتكلم بشيء كهذا
مطلقًا ... لكني سعيدة......... همم ؟ تعرف اسمي بينما أنا لا أفعل .. على الأقل
اكتبه فوق ورقة و اترك لي تذكارًا جيدًا "
ـ" عسا أن تلتقي صادق .. و عسا أن يكون السيد صادق
... صادقًا هذه المرة معك "
ـ بضحكات و تعابير وجهها المتفاجئة قالت :" لا
عليكَ مني فهو قد كان صادقًا ... الصغير صادق كان صادقًا دومًا... "
و هرعت أجري .. خارج هذا البيت.... مستمعًا مرة أخرى
لضحكاتها اللطيفة...
تلكَ اللحظة الذي تكلمت فيها عن الانتظار .. عن أمل
العودة .. عن الخيبة .. عن الإنكسار و اليأس ... أما كانت والدتي لتشعر بهم عندما
تركتها خلفي فجأة ؟
تلكَ المرأة التي بقيت ترعاني طول هذا الوقت..... التي
أحبتني أكثر مما يمكن لأي شخص أن يفعل .. أكثر من نفسي ...
لقد قابلت السيدة العجوز صادق لمدة أشهر قصيرة .. لم تكن
تعرف عنه الكثير ... لكن الفراق دومًا صعب .. فكيف يعقل لوالدتي ألا تتألم أكثر
منها ...؟
أنا قادم يا والدتي... الشخص الذي تعمدت وضعه في صفحات
النسيان...
بعد لقائي مع والدتي التي كنت قد تخليت عنها و هجرتها
لأتركها وحيدة في ذاك البيت ... ذاك اللقاء الذي وصفه لن يكون كافيًا .
لحظة امتزجت بالاعتذار و الألم و البكاء .. بالسعادة و
الفرح و المسامحة ... كل هذه التناقضات .. شكلت لي لحظة اجتماعي بوالدتي.
و مضت أشهر طويلة لتشكل لي سنة منذ فراقي عن السيدة
خديجة... المرأة العجوز الذي غيرت شيئًا ما.
و مع تردداتي كأول مرة عندما رجعت إليها و دخلت من
النافذة .. لقيت نفسي قد سافرت طريقًا طويلة لأصل لمنزلها فقط.
لقد كنت أتذكر حينها كل ما كانت أمي تقوله عن عذابها
طوال الوقت الذي فارقتها فيه ... جعلني أحتار. السيدة خديجة التقت صادق عندما كانت
صغيرة كما قالت. فراقها كان لمدة طويلة .. فكيف تحملت ؟
لقد عدت كذلك لتلك اللحظة التي كنت أقول فيها أنه يستحيل
لي لقاءه و أنا لا أعرف شكل وجهه و هي استعادة بصرها قبل رؤيته ...
لكن رغم هذا ... لقائي بها لأول جعلني آخذ انطباع عن
امرأة سعيدة و عاشت لتفعل ما تريد.
هل كنت مخطئًا حينها ؟ أم أن حدسي صحيح ؟
حدقت فشعرت بشيء غريب.... تلك الهالة المطمأنة عادت هنا
.. و مع دق الباب نقل لي خبر تواجدها بمكان آخر ما ... من قبل أحد جيرانها.
قائلين أن صاحب البيت المجهول كان مجرد امرأة عجوز و هم
يضحكون على كل اعتقاداتهم .. و معهم أنا أضحك على حالي .. الشخص الذي خفت منه
قائلًا أنه قد يكون شخص ذو بنية قوية و خطيرًا .. قلقًا أن يغير شيئًا ما من ملامح
وجهي .. لكن يبدو أنها مجرد عجوز غيرت طريق سير الأمور و تفكير عقلي...
دخلت من النافذة الذي استغربت وجودها مفتوحة .. و وجدت
ورقة كبيرة وسط غرفة فارغة بدا و كأنها معنية لي ... لأفتحها و أجد رسالة من السيدة
خديجة ... رسالة قصيرة أراحت بالي ..
" و الآن ،حان وقت الوداع الحقيقي
سأكون بعيدةً عن كنز ذكرياتي لفترة لأني لقيت ما كنتُ
أبحث عنه
و أخيرًا يا يوسف ستعرف نهاية القصة.
صادق كان ابن حارس بيتنا .. كان أصغر مني بثلاث سنين و
عبقريًا بحد ذاته
ما استطاع دخول المدرسة أو التعلم لكنه لطالما تمنى
القراءة
لا أعلم تفاصيلًا حول كيف تعلم لكنه كان يتسلل لهذه
الغرفة لمعرفته لما تحويه
لقد كان في الحقيقة بداية يكرهني و يغار مني لكني
بالنهاية استطعت تكوين صداقة جيدة معه
خصوصًا أنه الفتى المريض .... الفتى المصاب الذي لا
يستطيع مساعدة والده
لقد ... تشابهنا في كوننا منعزلين قليلا عن العالم
فأنا ما استطعت تقبل العالم و هو ما استطاع العالم تقبله
صادق..... توفي قبل سنة من استعادتي للبصر
تظن الأمر حزينًا صح ؟ هو ليسَ كذلك في الحقيقة ، أتذكر
أن في آخر حوار جرى بيننا
قال أنه يأتمن عندي وعدًا مهمًا. أن أستطيع تغيير حياة
كل شخص نحو الأحسن
كما استطاع هو أن يفعل من أجلي و كما فعلت أنا من أجله
للآن لقد فعلت ما استطعت فعله لكنكَ كنت المميز الوحيد
الذي جعلني أسرد القصة
الرواية لم أنهها ... و تمنيت لو أني عندما أعود مجددًا
ستنهيها من أجلي يا أيها السارق المحترف
أتراك راويًا جيدًا ؟
لذلك يا سيد لص ،المنزل تحت تصرفك لك و لوالدتك
و الورقة المرفقة تهم كثيرًا فاحرص عليها و لا تحاول أن
تبدو كشخص متواضع و ترفض هديتي لك
على الأقل ابدأ الحياة التي حلمت بها "
و مع فتحي للورقة الثانية ... تفاجئي ربط لساني مرة
أخرى.
هناك الكثير من التساؤلات التي يجب عليها أن تجيب
عنها... شيء كسبب وثيقة بيع البيت و أنا لم أدفع شيئًا حقًا... و الآخر عن سبب
رحيلها..
لكن ربما هي بالفعل تجاوزت شيئًا من حزنها لدرجة أن تخرج
من هذا البيت.
سأذهب لزيارتها و أستفسر عن كل شيء ... لكن هذه المرة
سأدخل منزلها من الباب كصديق .. لا من النافذة كلص.
تمّت.

قصة جميلة تحمل الكثير من المعاني و العبر!
ردحذففي إنتظار كل جديد ^^